· التكرار من أكثر الأساليب فصاحة في اللغة بعد الإيجاز، وكلام البلغاء لا يتكرر عبثاً وإنما لفوائد ومعانٍ جديدة وقد ورد ذلك في القرآن الكريم الذي يعبر فيه أحد الأساليب الإيجاز البياني وقد أوجز الزركشي أهم فوائده فيما يأتي:
·
1. تقرير المعنى وتوكيده فالمعنى إذا تكرر تقرر فقد ورد في آيات مسبوقة بوعيد تهديد كقوله تعالى:(كلا سوف تعلمون-ثم كلا سوف تعلمون) ، وقوله تعالى :(وما أدراك ما يوم الذين -ثم ما أدرك ما يوم الدين )
2. في مقام التهويل والتعظيم والتعجب كقوله تعالى:(القارعة ما القارعة) ، وقوله تعالى (فقتل كيف قدّر ثم قتل كيف قدّر
3. في الآيات المسبوقة بمقام اتعاظ كقوله تعالى :(فكيف كان عذابي ونذر)
4. إذا طال الكلام وخشي تناسي الأول أعيد ذكره تجديداً لعهده كقوله في سورة الواقعة :(أفرأيتم النّار التي تورون) ، وقوله تعالى
بعد ذلك( ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفورٌ رحيم)
5. بيان عجز العرب فإن من عجز عن الإتيان بسورة واحدة فمن باب أولى عجزه لإتيان بعدة سور
6. إفادة معنى جديد فإن بعض الآيات تكررت وفي كل مرة تكون متعلقة بما قبلها كقوله تعالى:(فبأيّ آلاء ربكما تكذبان)
فقد كُررت هذه الآية في سورة الرحمن إحدى وثلاثين مرة؛ ثمان مرات تعقب آيات فيها تعداد عجائب وبدائع صنع الله ومبدأ الخلق ومعادهم ثم تتلها سبع آيات فيها ذكر النار و أحوال يوم القيامة ثم ثمان آيات في وصف الجنتين وأهلهما ونعيمهما ثم ثمان آيات للجنتين اللتين من دونهما.
· وإن هذا الأسلوب قد جاء توكيداً لما كان العرب يستعملونه قبل نزول القرآن والذي نزل بلغتهم حيث نرى بعض الشعراء قد أكثروا مِنَ الذّكر في قصائدهم مثل المهلهل بن ربيعة الذي قال بمناسبة حرب البسوس قوله:
على أن ليس عدلاً من كليب إذا خاف المغار من المغير
على أن ليس عدلاً من كليب إذا طرد اليتيم عن الجزور
على أن ليس عدلاً إذا ما ضيم جار المستجير
على أن ليس عدلاً من كليب إذا داقت رحيبات الصدور
على أن ليس عدلاً من كليب إذا خاف المخوف من الثغور. (في قصيدة طويلة).
· ونرى ذلك في قصيدة الحارث بن عبّاد في المناسبة نفسها كقوله:
قربا مربط النعامة مني لقحت حرب وائل عن حيال
قربا مربط النعامة مني ليس قولي يراد بل مقالي
قربا مربط النعامة مني جدّ نوح النساء بالإعوال
قربا مربط النعامة مني شاب رأسي وأنكرتني القوالي
قربا مربط النعامة مني للسرى والغدو و الآصال
قربا مربط النعامة مني طال ليلي على الليالي الطوال
قربا مربط النعامة مني لاعتناق الأبطال بالأبطال.
(إلى آخر القصيدة).
· ونرى ذلك في غير الشعر الجاهلي كابن القيم الجوزية وغيره .
نقلاً عن المجلة العربية، رقم العدد(363)، ربيع الآخر 1428هـ \ أيار2007م.
.